الذائقة العامة والخاصة- فهم سلوك الجمهور وتحديات القياس.

المؤلف: أحمد الجميعة08.29.2025
الذائقة العامة والخاصة- فهم سلوك الجمهور وتحديات القياس.

في أبسط تعاريفها، تعكس الذائقة القدرة على التمييز الدقيق بين الأشياء، وتقديرها وفقًا لمعايير فردية واهتمامات فريدة. وتمثل ذائقة الجمهور الحصيلة النهائية لعملية تقييم تتم بناءً على الميل نحو شيء معين وتفضيله على غيره. وتتميز هذه الذائقة بالديناميكية والتغير المستمر عبر الزمن، حيث تتأثر بعوامل نفسية واجتماعية واقتصادية متشابكة، بل وحتى بعوامل أبعد من ذلك، فتخضع أحيانًا لتقلبات المزاج والتناقضات وحتى المجاملات العابرة. ومع ذلك، تبقى الذائقة، رغم صعوبات قياسها وتأثيرها، مؤشرًا ذا قيمة بالغة لفهم سلوك الجمهور، وفرصة سانحة لتحسين جودة المحتوى الإعلامي المقدم إليه، وانتقاء الحملات الإعلامية والتسويقية التي تتناغم مع تلك الذائقة وتلبي تطلعاته.

توجد علاقة وثيقة بين ذائقة الجمهور ومستوى حريته الشخصية، فالجمهور الحر هو الذي يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات والاختيارات التي تناسبه. وفي المقابل، هناك علاقة جدلية بين تلك الذائقة والسلوك الاتصالي العام في المجتمع، وذلك من خلال تحول الذائقة الفردية في كثير من الأحيان لتنسجم مع الذائقة العامة للمجموع، خصوصًا في الموضوعات التي تمس القضايا والموضوعات المشتركة بشكل مباشر. ومع ذلك، فإن الأمر الجدير بالاهتمام ليس فقط في تحديد أو ترتيب ذائقة الجمهور، بل الأهم هو في تفسير الأسباب والعوامل الكامنة وراء تلك الذائقة، وفهم سياقاتها الزمنية وظروفها الاتصالية، وانعكاس كل ذلك على الصورة الذهنية للفرد والمجتمع ككل.

إن الحديث عن الذائقة في سياق مجتمعي شامل أمر ممكن، إلا أنه لا يزال يواجه عقبات جمة على مستوى الأدوات والمنهجيات المستخدمة، والدقة المتناهية في اختيار المعايير المناسبة، والتنوع الثقافي والاجتماعي الغني داخل المجتمع. هذا بالإضافة إلى التحديات الأخرى المتعلقة بالتحيزات والقيود التي تفرض أحيانًا على طبيعة الدراسة أو الاستطلاع. ولذلك، اتجهت العديد من الدراسات واستطلاعات الرأي إلى قياس الذائقة من منظور جمهور متخصص بهدف تجاوز تلك التحديات، وهو ما يمكن تسميته بذائقة نقاط تجمع الجمهور حول مجال معين، أو قضية أو حدث أو موضوع محدد. ويهدف ذلك إلى فهم سلوك ذلك الجمهور خلال فترة التجمع، وليس كل فرد على حدة، وذلك من خلال قياس تلك الذائقة وفق قائمة منسدلة من الاختيارات، مثل ذائقة الجمهور الرياضي أو الفني. فالرياضة أو الفن هنا يمثلان نقاط التجمع المحورية بالنسبة للجمهور الذي نتوجه إليه في تحليل ذائقته.

على سبيل المثال، إذا تحدثنا عن ذائقة الجمهور السعودي في المجال الرياضي - كنقطة تجمع - فسنجد أنه جمهور يميل إلى المحتوى الذي يمزج بين الفكاهة والعفوية، كما يفضل المحتوى البصري الجذاب، وينحاز غالبًا إلى المحتوى الذي ينتقد الخصوم، وقد يلجأ إلى التبرير لهم أحيانًا في تعليقاته وتفاعلاته على شبكات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، لا يمكن تعميم هذه النتيجة وتطبيقها على المجتمع السعودي بأكمله، فهي تعبير عن ذائقة جمهور رياضي متخصص، وليست ذائقة المجتمع ككل. وهذا أحد أكثر الأخطاء المنهجية شيوعًا، وهو تعميم الذائقة الخاصة على المجتمع بأكمله.

هل يعني هذا أنه من المستحيل قياس ذائقة أي مجتمع؟ الجواب بكل تأكيد هو لا، ولكن هذا القياس لا يزال يواجه تحديات كبيرة ومعوقات جمة - كما ذكرنا سابقًا - وبالتالي فإن معظم النتائج المتعلقة بذائقة أي مجتمع ما هي إلا مؤشرات عامة يصعب تعميمها أو الحكم عليها بشكل قاطع.

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة